الجمعة,١٨ ايار / ماي ٢٠١٢
أخبار عاجلة:
    اقرأ المزيد...
    
    arrow عمليات القمع في سوريا تأخذ أفراد أسرتها، الواحد تلو الآخر

    عمليات القمع في سوريا تأخذ أفراد أسرتها، الواحد تلو الآخر

    تفيد تقديرات الأمم المتحدة أنّ عمليات القمع في سوريا أودت بحياة 4،000 شخص. ميمونة العمّار تخبر قصتها التي بدأت باتصال هاتفي غريب تلقّته من شقيقها، وكيف يدمّر هذا القمع الممارس من السلطة عائلتها.

    من المحرّر: ما يلي تعليق من أحد قرائنا. الآراء التي طُرحت تعبّر عن رأي المؤلف ولا تمثل وجهة نظر أخبار المرأة.

    ( أخبار المرأة)- كنت في المنزل لوحدي مع ابنتي إيمار البالغة 5 أشهر بعد ان غادرت والدتي ووالدة زوجي المنزل. استمر الهاتف بالرنين، أردت أن أحطّمه في تلك اللحظة.
    أعيش في داريا بريف دمشق. كان يوم 18 نوفمبر، الشهر الثامن من الثورة السورية. والغارات التي يشنّها الجيش على المنازل وأصبحت جزءاً من الحياة اليومية تستمر في إثارة التوتر والخوف في نفوسنا.
    عند حوالى الساعة السادسة والنصف من بعد الظهر، اتصل شقيقي سهيب البالغ 22 عاماً، وهو أصغر منّي بعامين.
    قال لي:" أنا قادم".
    فأجبته:" التيار الكهربائي مقطوع".
    فالنظام يقطع التيار الكهربائي عندما يريد البدء بتدمير وقصف منطقة معينة. أردته أن يفهم أنّ الوقت ليس مناسباً للزيارة، بسبب الحكم الديكتاتوري القمعي وليس بسببي. يسرّني جداً أن أراه، وكذلك الأمر بالنسبة إلى طفلتي الصغيرة.
    مرّت ساعة، ولم يصل. رنّ الهاتف من جديد. كانت والدتي قلقة على سهيب. والدي ما زال في السجن. في صباح يوم 17 سبتمبر، سحبوه من المنزل وسط صراخ وبكاء والدتي. لقد درّس عن اللاعنف لمدى عقود، وترعرعت في أسرة ملتزمة بقدسية الحياة البشرية.
    قالت والدتي:" اتصل سهيب ليسأل عن اسم والد زوجك. لا بد أنّه عند حاجز تفتيش".
    " سأتصل به".
    أجاب سهيب. واعتقدت عندما سمعت صوته أنّه بخير، ولكن الغريب في الأمر أنّي لم أستطع أن أسمع أصوات توقف الباصات عند الحاجز.
    فقال لي:" أحتاج إلى اسم والد زوجك".
    سهيب يقول ويفعل أموراً في بعض الأحيان في الوقت غير المناسب. " لم تحتاج إلى اسمه الآن؟ يُدعى أحمد".
    فأجاب:" سأصل في وقت قريب يا ميمونة".
    اسم الطفلة "حرية"
    وضعت الطفلة في السرير. زوجي أسامة نصّار أُدخل إلى السجن عند ولادة إيمار في 10 يونيو. ولم أطلق على طفلتنا الأولى اسماً لنتمكّن من اختياره معاً. أطلقوا سراح أسامة في 27 يونيو. وإيمار كلمة سومرية تعني "حرية".
    دق جرس الباب. قبل أن أصل، دق مرة ثانية. فالطارق نفذ صبره كما يبدو. تساءلت إن كانت هذه قوات الأمن. ألقيت نظرة خاطفة من وراء ثقب الباب: سهيب يقف هناك. كان المكان مظلماً، وبالكاد رأيت وجهه العابس. ووراءه يقف شخص آخر لم أستطع أن أراه عن كثب.
    فتحت الباب ببطء، وإذا برجل ملتحي وضخم في منتصف العمر يختبئ وراء شقيقي ويشق طريقه نحو الباب مصوّباً المسدس على رأس سهيب. صرخ الرجل:" أين زوجك".
    حاولت أن أغلق الباب في وجهه قائلة، " انتظر! لا أرتدي ملابسي. انتظر حتى أضع حجابي". وركضت نحو الغرفة.
    لقد كان ورائي، يمسك بسهيب. وبدأ رجل آخر مسلّح يبحث في المنزل.
    وسألني الرجل الضخم الملتحي الذي يوجه المسدس نحو سهيب:" أين زوجك".
    أجبته:" لا أدري. لقد غادر المنزل".
    " متى؟"
    " لقد اعتُقل. بعد أن أُطلق سراحه غادر البيت".
    فقال ساخراً " كان معتقلاً؟ هل يعني ذلك أنّه لديه رأي وضمير؟
    لم أجب. هل يعرف عميل في حكم دكتاتوي معنى أن تتمتّع بخيار، أو أهمية الضمير؟
    قال لي:" زوجك قتل ثلاثة عناصر من قوات الأمن".
    فأجبت:" زوجي لم يقتل أحداً. زوجي لا يؤمن بالقتل". لقد التقيت بأسامة خلال المشاركة في دورات لدراسات متعلّقة باللاعنف. أمضى حياته كلّها مؤمناً بأنّ الأشخاص يستطيعون تغيير أنفسهم وعالمهم من دون عنف.
    فردّ بعنف:" سأقتلك".

    " القتل ليس الجواب"

     

    تحرّكت إيمار في سريرها، وقلت له:" القتل ليس الجواب".
    syria_4.pngأجاب بهدوء أكبر " هل أنت ضدّ القتل؟ إذا ما هو الجواب برأيك".
    شعرت أنّ كلماتي أيقظت فيه الجانب الإنساني. فقلت:" ليس علينا إراقة الدماء".
    ربّما للحظة نسي نفسه. ففي حكم ديكتاتوري، لا يُفترض بقوات الأمن الانخراط بالمواطنين، قد يقدّم ذلك إحساساً بالإنسانية أثناء تبادل الكلام.
    اتكأ الرجل على مهد إيمار – وفي تلك اللحظة شعرت بخوف كبير – وحمل هاتفي من على سريري.
    ابتسمت لي إيمار بعينين كبيرتين وبفضول. لو حصل ذلك في مدينة حمص، فلا شك أن تكون ابنتي قد قُتلت من خلال غارة على المنزل. فقريبي زهير العمّار البالغ 7 سنوات قُتل وهو يلعب في حقل في درعا في شهر مايو على يد عناصر قوات الأمن كهذا الرجل.
    " كيف أستطيع أن أجد رقم زوجك على الهاتف؟"
    لم أقل شيئاً. نظرت إلى عينيه محاولة الاستنجاد بطيبة ما في داخله.
    فقال:" إن لم تجيبي، سنأخذ ابنتك إلى أن يسلّم زوجك نفسه".
    حملت ابنتي الصغيرة وفكّرت أنّهم لن يأخذوها إلا فوق جثتي. ونظرت إليه عبر خدّها الناعم.        " أرجوك لا تفعل ذلك".
    فأجاب:" أليس قتل الناس خطأ أيضاً؟"
    فقلت:" لم نقتل أحداً. لا نحب قتل الناس".
    فردّ بالقول:" حسناً، سأترك الطفلة معك لأظهر أنّي إنساني".
    لقد حالفني الحظ. على عكس ليال عسكر وعلى جبلاوي وحمزة الخطيب وتامر شار وابراهيم شيبان وقريبي زهير – إنّه عدد قليل فقط من الأطفال الذين قتلوا في سوريا، وأعرف هذه الأسماء من معارفي الشخصية ومن التقارير الصحفية.
    ثمّ أمسك الرجل بذراع أخي سهيب:" إن لم يسلّم زوجك نفسه فسأعيد أخاك في نعش".
    أردت أن أعانق شقيقي، وأمنعهم من أخذه، ولكنّي فكّرت بإيمار. كان بوسعي أن أضع نفسي بين إيمار وقوات الأمن، أو سهيب وقوات الأمن، ولكن ليس الاثنين.
    في النهاية أفشيت ما في داخلي من دون تفكير:" لم يفعل شقيقي أي شيء. أنتم تريدون زوجي. أتركوا شقيقي وشأنه!"
    وصرخ سهيب متجهاً إلي:" ميمونة، قولي ..."، وإذا بالرجل يوجّه له صفعة لإسكاته ويصرخ به " اصمت، غبي!".
    سأخبر العالم من أجلك يا شقيقي. ليحميك الله.
    ليكن الله في عون كلّ أشقائي وشقيقاتي وأطفالنا في سوريا.  

    ميمونة العمّار طالبة تتابع دراساتها العليا في علوم الكمبيوتر في جامعة دمشق. وتعيش مع زوجها وطفلتها في ضاحية داريا. ترجم هذا المقال إلى الإنكليزية منال الناطور ومهجة كهف المقيمتان في الولايات المتحدة.
     

    وُمينز إي نيوز ترحب بتعليقاتكم. راسلونا على العنوان التالي:
    aeditors@awomensenews.org


    ملاحظة: أخبار المرأة غير مسؤولة عن محتوى الوصلات الخارجية ويمكن أن يتغير محتوى الوصلات الخارجية من دون إشعار.

    أخبار المرأة خدمة إخبارية مستقلة لا تهدف الربح تغطي القضايا الخاصة بالمرأة ومناصريها. موقع أخبار المرأة الذي نشأ كبرنامح يحظى بالدعم من صندوق مدينة نيويورك يستمرّ بدعم من قرّائه ومن عائدات إعادة النشر وترخيص إعادة النشر وصندوق جايمس نايت ومؤسسة عائلة بربارا لي ومؤسسة عائلة روكفلر ومؤسسة إيلينا روبنشتاين وصندوق " ذي ستاري نايت". ويُعتبر دعم هذه المؤسسات مؤشراً مهماً على قيامنا بتقديم الخدمة لقرّائنا – وهذا هو المقياس المعتمد في تقييم عملنا من قبل الداعمين لنا.
    يمكنكم التبرع من هذه اللحظة

    بوسع المشتركين في موقع أخبار المرأة أن يختاروا تلقّي نص كامل يومياً أو موجز يومي أو أسبوعي. في حال تغيير عنوان بريدكم الالكتروني يرجى تبليغنا على العنوان التالي http://membersvcs@womensenews.org ولتغيير وتيرة تلقي المقالات عبر البريد الإلكتروني أو إلغاء الاشتراك يرجي تبليغنا على العنوان التالي http://membersvcs@womensenews.org وبوسع القرّاء استخدام الاستمارات المتوفرة على موقعنا. حقوق النشر محفوظة لأخبار المرأة. يمكن نشر المعلومات الموجودة في هذا التقرير من موقع أخبار المرأة أو بثها أو إعادة كتابتها أو توزيعها بأي طريقة أخرى من خلال موافقة خطية مسبقة من الموقع. وللحصول على ترخيص أو إذن يُرجى إرسال بريد الكتروني إلى العنوان التالي apermissions@womensenews.org يتضمّن تاريخ النشر أو البث واسم الجريدة أو المجلة أو الإذاعة أو المحطة التلفزيونية أو موقع الانترنت أو النشرة الدورية أو قائمة الرسائل الالكترونية حيث ستُنشر نسخة عنها.