الثمن باهظ دائماً على النساء السوريات
الثمن باهظ دائماً على النساء السوريات
عرفت المرأة السورية مظاهر مختلفة من التمييز والظلم طوال حقبة زمنية مديدة لكنها لم تختبر قسوة الحروب أو الأعمال العدائية. ولم تكن هذه المرأة ضحية للنزاعات المسلحة -أقله في العهد الحديث- كما يحدث هذه الأيام.
دمشق، سوريا ( أخبار المرأة) - مع اندلاع حركة الاحتجاجات السلمية التي تجتاح البلاد وجدت المرأة السورية نفسها في مواجهة واقع جديد. فالآلة العسكرية التي أرادها النظام طريقة لحل الأزمة عمقت من أزمة المرأة السورية ودفعت بها لتكون أولى ضحايا هذا الحل. ولكنّ ذلك لا يلغي الإرادة الصلبة التي أبدتها آلاف السوريات اللواتي اندفعن للتعبير عن دعمهن للتغيير والانتقال بالبلاد من وضع الاستبداد إلى دولة المواطنة. وفي أول مرة عبّر فيها السوريين علناً عن موقفهم مما يحدث في ليبيا شكلت النساء غالبية المعتصمين أمام أبواب السفارة الليبية. وبعد ذلك انفرط عقد الخوف فتقاسمت الهم الوطني مع الرجال وإن كان بثمن أغلى.
يوم مظلم لمنيرة
توقفت السيارة فجأة وخرج منها شخصان بلحى كثيفة. فُتحت أبواب السيارة التي لا تحمل أي رقم وأُلقي بمنيرة في داخلها ثم انطلقت بسرعة جنونية. رواية نقلها لنا أحد أبناء القرية التي تعيش فيها منيرة، فالقصة كما يقول أصبحت حديث القرية كلها.
لا تكاد تخلو منطقة مضطربة من حادثة أو رواية مشابهة، ربما لأن المخيلة الشعبية في الظروف غير الاعتيادية تجنح نحو هذه الروايات. لكن يؤكد الراوي أنّ هذا ما حصل بالفعل لمنيرة في إحدى مناطق محافظة إدلب المشتعلة.
ويضيف: "لم يعرف الناس من كان وراء عملية الاختطاف فالموالون للنظام يقولون أن اللحى الكثة دليل على أنّ الفاعلين من خلفية إسلامية والمعارضون يقولون أنهم من الشبيحة فالهيئات بين الطرفين تتشابه إلى حد بعيد".
والمهم أن منيرة عادت إلى ذويها بعد عشرة أيام لم يعرف سوى المقربين منها ماذا حدث لها ولم يراها سواهم. ولم تغادر الفتاة منزلها منذ عادت كما يقول الجيران.
ووفقاً للمخيلة الشعبية المتوثبة هذه الأيام هناك عدة روايات لما حدث لمنيرة .ويؤكّد أحدها أنّ من اختطفها هم عناصر أمنية من أجل الضغط على ذويها لتعديل موقفهم المناهض للنظام وهي لم تتعرض لأي إساءة جسدية.
وتقول رواية أخرى ان من اختطفها هم عصابة وعندما انتهوا منها أعادوها إلى أهلها. وفي كافة الأحوال منيرة واحدة من الضحايا اللواتي يدفعن ثمن غياب النظام والانفلات الأمني هذه الأيام.
ست ساعات بضيافة المخابرات
أمضت دلال الطالبة في كلية العلوم بجامعة دمشق ست ساعات في مركز أمني. وتعرّضت هناك للضغط والإهانة لأنها أقدمت على تصوير تظاهرة طلابية في كليتها بعد نحو شهرين على اندلاع حركة الاحتجاجات في سورية.
وعرفت بعد أن سُمح لها بالمغادرة بأنها محظوظة جداً بالقياس إلى زميلاتها اللواتي احتجزن لأيام عديدة في أقبية الأجهزة الأمنية لأنهن تجرأن على المشاركة في مظاهرات مناوئة للنظام.
لم تجرؤ دلال على إخبار عائلتها بما حدث لها لعلمها بأن عائلتها سوف تقدم على منعها من الذهاب إلى الجامعة ففضلت الصمت. لكن المسألة لم تنته عند هذا الحد. وتقول دلال:" بعد يوم واحد عرفت أن جهة أمنية ما بدأت تتابعني في الحي الذي أسكن فيه وسرعان ما عرف والدي بالأمر. ومررت باستجواب جديد ولكن على يدي والدي الذي انتزع مني جهازي الخليوي وقرر منعي من الذهاب إلى الجامعة إلا بمرافقة شقيقي الذي يدرس في كلية الطب".
تتفهم دلال مخاوف أبيها في ظل هذا النظام العنيف سيما أنّه رجل لم يعتد الولوج إلى عالم السياسة. لكنّها ما زالت تشارك مع شقيقها في النشاطات الطلابية الاحتجاجية إنّما بمزيد من الحذر والحيطة.
ضرب فتاة في وضح النهار
تقول " مها" التي تعمل موظفة في شركة خاصة انّها تعرضت لضرب مبرح من قبل من يسمون بالشبيحة أثناء مظاهرة شاركت بها في منطقة الشعلان وسط دمشق التي شهدت تظاهرات شبابية مناهضة. وتتابع:" أقدم ما يسمى بالـ "شبيحة" على ضربي بطريقة وحشية وجري على الأرض دون أي اعتبار أخلاقي لكوني فتاة. اضطررت للتوقف عن المشاركة في التظاهرات لبرهة وما إن اندملت آثار الكدمات من على وجهي تابعت نشاطي مع المتظاهرين في الشارع".
تعيش "مها" وحيدة في دمشق بعيداً عن عائلتها التي تقطن في منطقة لا تزال مستقرة حتى الساعة. لكنّ ذلك لم يمنع عائلتها من محاولات إجبارها على ترك الوظيفة والعودة إلى مقر الأسرة والاستغناء عن المساعدة التي توفرها مها لهم جراء عملها. بيد أنّ إصرارها منعهم من ذلك ما دفعهم إلى إرسال شقيقها الأصغر كي يبقى إلى جانبها ويحول دون انخراط شقيقته بالمظاهرات.
ابنة معارضة وأب "شبيح"
مشكلة الشابة "إيناس" مختلفة فهي تنحدر من أسرة موالية للنظام ووالدها مصنّف كواحد من " الشبيحة". لا يفوّت مسيرة مؤيدة للنظام أينما كانت. وتقول إيناس: "تعرف عائلتي موقفي المعارض، ويتعاملون معي على هذا الأساس. فأنا شبه معزولة في المنزل ويمنع علي التواصل مع أصدقائي. أسرتي مضللة إلى حد بعيد وهم لا يتابعون سوى التلفزيون السوري وتلفزيون الدنيا شبه الرسمي الذي يكاد يخنقني صوت أبواق النظام فيه. أما الجزيرة والمحطات المستقلة الأخرى فقد باتت خط أحمر منذ اندلاع الأحداث وحتى اليوم".
وتضيف:" تنتشر في المنزل صوراً وشعارات مؤيدة للنظام بينما أبقى عاجزة عن التعبير عن رأيي علناً".
وتواظب "إيناس" على المشاركة في الفعاليات الشبابية المعارضة بعيداً عن أعين أسرتها، لكنها لا تعرف الوقت الذي ينكشف فيه أمرها وتدرك ان هذه اللحظة قد لا تكون بعيدة وستوضع قيد الإقامة الجبرية. لكنها ترفض أن تكون شاهد زور على مرحلة تعتقد بأنها مصيرية في تاريخ بلدها.
"لم اخرج بمفردي منذ أربعة أشهر"
أما "رنا" وهي أم لطفلين فتعيش في قلب مدينة حمص التي تعتبر واحدة من أكثر المناطق سخونة في سورية. يبدأ نهارها كما تقول في الثامنة صباحاً وينتهي في الثامنة مساء لأن التنقل بعد هذا التوقيت بات أمراً فيه خطورة وسط الفلتان الأمني الذي تعرفه حمص. ولا تنخرط رنا في أي عمل معارض ولكنها كموظفة تجد نفسها مضطرة للتنقل من منزلها إلى مقر عملها يوميا وهو الأمر الذي لم يعد بإمكانها القيام به وحيدة. فقد تفرّغ زوجها المحامي لمسألة تنقلها بعد أن سجلت المنطقة عدداً من حالات الاختفاء والاعتقال بحق نساء في المدينة. وتضيف رنا:" لم أخرج مرة واحدة وحيدة منذ أربعة أشهر حتى أنّي لم أعد أرى صديقاتي إلا نادراً. ووسيلة التواصل بيننا هي الهاتف الأرضي لأن شبكة الخليوي تتوقف من حين لآخر".
ومن الصعب أن تضع جميع النساء في سلة واحدة في سورية، بلد التناقضات. فنساء بلدي لا يزلن بعيدات عن بعضهن البعض. فبينما ترى سيدات لا يزلن حتى اليوم متشحات بالسواد الكامل تجد وفي مفارقة كبيرة نساء أخريات يرتدين أحدث تصاميم ثياب البحر من دور أزياء باريس ولندن وروما. ويمكن تعميم ذلك على ما تشهده البلاد من حركات احتجاج سلمية منذ أربعة أشهر وحتى الساعة. ففي الوقت الذي حسمت آلاف النساء أمرهن والتحقن بركب الثورة سواء بالنزول إلى الشارع للتظاهر أو من خلال دعم حركة الاحتجاجات لا تزال أخريات بعيدات عن هذا الحراك تماماً. لكنّ المؤكد أن العجلة انطلقت ومما لا شك فيه أنّ السوريات قررن ألا يكن بعيدات عن نبض الشارع!
يحيى الأوس صحافي وناشط سياسي، مدير تحرير مجلة الثرى التي تصدر في سورية وتعنى بقضايا حقوق المرأة، محرر حملة أطفال في خطر التي تعنى برصد الانتهاكات ضد الطفولة في سورية. معتقل رأي سابق وكاتب صحفي في عدد من المجلات الدورية العربية والسورية.
آراء

آراء
مشروع قانون إجازة المرض في إيلينوي يطالب بإجازة من 7 أيام
آراء
العودة إلى قمة كلمنجارو بعد 46 سنة
آراء
هجوم أسد على صحافية سعودية يعيد النقاش حول تغييب المرأة إعلامياً
آراء
فرص ذهبية وبعض التحديات أمام المرأة التونسية
آراء
قضية نيويورك تظهر التعامل المتساهل مع المغتصبين
آراء
عدم الثقة بالذات تقوّض ثقة الأمّ العازبة
آراء
على النساء الحفاظ على إعلامهن المستقل
آراء
القاضي سكاليا يشرح إقرار تعديل الحقوق المتساوية
آراء
لنعطي النساء والفتيات الهبات ولنبني حركة لهن

دخول المستخدم او تسجيل مستخدم لاضافة تعليق
وُمينز إي نيوز ترحب بتعليقاتكم. راسلونا على العنوان التالي:
aeditors@awomensenews.org
ملاحظة: أخبار المرأة غير مسؤولة عن محتوى الوصلات الخارجية ويمكن أن يتغير محتوى الوصلات الخارجية من دون إشعار.
أخبار المرأة خدمة إخبارية مستقلة لا تهدف الربح تغطي القضايا الخاصة بالمرأة ومناصريها. موقع أخبار المرأة الذي نشأ كبرنامح يحظى بالدعم من صندوق مدينة نيويورك يستمرّ بدعم من قرّائه ومن عائدات إعادة النشر وترخيص إعادة النشر وصندوق جايمس نايت ومؤسسة عائلة بربارا لي ومؤسسة عائلة روكفلر ومؤسسة إيلينا روبنشتاين وصندوق " ذي ستاري نايت". ويُعتبر دعم هذه المؤسسات مؤشراً مهماً على قيامنا بتقديم الخدمة لقرّائنا – وهذا هو المقياس المعتمد في تقييم عملنا من قبل الداعمين لنا.
يمكنكم التبرع من هذه اللحظة
بوسع المشتركين في موقع أخبار المرأة أن يختاروا تلقّي نص كامل يومياً أو موجز يومي أو أسبوعي. في حال تغيير عنوان بريدكم الالكتروني يرجى تبليغنا على العنوان التالي http://membersvcs@womensenews.org ولتغيير وتيرة تلقي المقالات عبر البريد الإلكتروني أو إلغاء الاشتراك يرجي تبليغنا على العنوان التالي http://membersvcs@womensenews.org وبوسع القرّاء استخدام الاستمارات المتوفرة على موقعنا. حقوق النشر محفوظة لأخبار المرأة. يمكن نشر المعلومات الموجودة في هذا التقرير من موقع أخبار المرأة أو بثها أو إعادة كتابتها أو توزيعها بأي طريقة أخرى من خلال موافقة خطية مسبقة من الموقع. وللحصول على ترخيص أو إذن يُرجى إرسال بريد الكتروني إلى العنوان التالي apermissions@womensenews.org يتضمّن تاريخ النشر أو البث واسم الجريدة أو المجلة أو الإذاعة أو المحطة التلفزيونية أو موقع الانترنت أو النشرة الدورية أو قائمة الرسائل الالكترونية حيث ستُنشر نسخة عنها.